طه عبد الرحمن
55
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
للإنسان كضرورة خلقه ، سواء بسواء ، فلا إنسانية بغير أخلاقية . 4 - 3 - المعتبر في الأخلاق أفعال معدودة لقد عودنا أهل النظر من الأخلاقيين أن يقوموا بإحصاء الفضائل ومراتبها ويشتغلوا بتصنيفها ، مع اختلاف بينهم في عددها ومراتبها وأنواعها ؛ ومعلوم أن أشهر تصنيف ورثناه عنهم هو التصنيف الأفلاطوني الذي يجعل الفضائل الأساسية أربعا ، وهي : " العفة " و " الشجاعة " و " الروية " و " العدل " ، حتى ظن بعضهم أن هذا التصنيف كلي وكوني لا تختلف فيه أمتان ، وما درى هذا أن انتشار الشيء ليس أبدا دليلا على كونيته ، متى كان المراد ب " الكونية " هو أنها وصف الشيء الذي يعم جميع الأفراد عموما نابعا من طبيعتهم أو من إرادتهم ، لا مبثوثا بينهم أو مفروضا عليهم ، فهذه كونية صناعية معها عنف قليل أو كثير وتحتها نسبية حقيقية . ولا يشغلنا هنا حصر الفضائل في أربع بقدر ما يشغلنا مبدأ الحصر نفسه ؛ فهو عندنا مبدأ مقدوح فيه من وجوه عدة ، وهي التالية : * أن الأخلاق هي بعدد أفعال الإنسان ؛ فلما كانت هذه الأفعال أكثر من أن تحصى ، كانت الأخلاق مثلها لا تحصى ، ولا فائدة من وراء إدخالها في أجناس وأنواع ، لأن الشاذ فيها أكبر من أن يهمل ، فقد يعدل الخلق الواحد أخلاقا شتى . * أن الفعل الخلقي الواحد ليس رتبة واحدة ، بل هو رتب متعددة قد لا تقف عند حد ؛ فمثلا قد يأتي الفرد الواحد فعلا معينا تارة ينزل به رتبة وتارة ينزل به رتبة غيرها ، حتى كأنه فعلان مختلفان . * أن الأخلاق هي طريق إدراك معنى " اللامتناهي " وليس هو التعداد كما ساد بذلك الاعتقاد ، ذلك أنه لما كانت أفعال الإنسان لا تتناهى ورتبها ، هي الأخرى ، لا تتناهى ، صار الشعور بهذا المعنى في عموم هذه الأفعال أقرب إلى الإنسان منه في أفعال مخصوصة كأفعال الحساب ؛ أو قل إن اللامتناهي معنى خلقي قبل أن يكون مفهوما عدديا . * أن أفعال الإنسان قد ننظر إليها من جهة معقوليتها التي لها من ذاتها ، وهي التي سمّيناها ب " المعقولية التجزيئية " ( أو " معقولية السطح " ) أو من جهة معقوليتها التي لها من غيرها - أي من الكل - وهي التي أسميناها ب " المعقولية التكاملية " ( أو " معقولية العمق " ) ؛ والحال أن اللامتناهي يقوم في الأفعال بموجب هذه المعقولية